عبد الوهاب الشعراني
81
تنبيه المغترين
فيما في يدك ليختص به دونك فلا هو يتصدق به عنك ، ولا هو يدعه في يدك لتنفق منه في مرضاة اللّه تعالى ، وأما حلائلك فهن مثل الكلبة في البصبصة والهرير ، وأما كلالتك فو اللّه لدرهم يصل إليهم بعد موتك أحب إليهم من حياتك ، وأما خادمك فمثل الثعلب في الحيل والسرقة فلا تطلب المحبة من هؤلاء وتدخر مالك لهم وتوفر ظهرك فإنهم إنما هم معك على غلالة فإذا وضعوك في اللحد رجعوا إلى بيوتهم فبخروا الثياب وعانقوا النساء وأكلوا وشربوا وبطروا بمالك وأنت المحاسب بذلك . وكان أبو حازم رحمه اللّه تعالى يقول : أنفقوا ولا تخشوا الضيعة على أولادكم فإنهم إن كانوا مؤمنين فإن اللّه يرزقهم بغير حساب ، وإن كانوا فاسقين فلا تساعدوهم على الفسق بأموالكم ، وكان سالم بن أبي الجعدر رحمه اللّه تعالى ينفق كل ما دخل يده أولا فأولا فلامته امرأته على ذلك فقال لها : لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير . وكان محمد بن يوسف رحمة اللّه تعالى يقول : أنفق على أخيك الصالح فإنه خير لك من ورثتك فإنهم يقتسمون مالك وينسونك ولا يرون لك فضلا عليهم ويقولون إن اللّه تعالى جعل لنا ذلك ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى لا يقتني في بيته شيئا سوى الحصير والمصحف والإبريق ، وقد أعطاه شخص مرة ركوة جديدة فلما أصبح أعطاها مالك لشخص من أصحابه وقال له : خذها يا أخي فإنها شغلت قلبي خوفا أن يسرقها أحد من بيتي . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : دخلت يوما على أخ لي أزوره فرأيت عينيه قد غارتا من الجوع فأخرجت له درهمين وقلت له خذهما واشتر لك بهما شيئا تقتات به يقويك على العبادة فأبى أن يقبلهما وقال : في قدرة اللّه تعالى أن يقويني على عبادة هذه الليلة بلا طعام ولا شراب وإني أخاف أن آخذهما منك فيبيتان عندي فأموت ولم أشتر بهما شيئا ، وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبض ولم يجدوا في بيته دينارا ولا درهما ، قال : ولما حضرت الوفاة محمد بن كعب القرظي رحمه اللّه تعالى أنفق ماله كله فقالوا له هلا ادخرت شيئا منه لذريتك ، فقال : ادخاره لنفسي أولى وأما ذريتي فادخرت لهم فضل ربي . وقد كان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : يخاف أحدنا من فضيحة الدنيا وفقرها ولا يخاف من فضيحة الآخرة وفقرها مع أن فقر الشخص من الأعمال الصالحة في الآخرة يكون به أشد خجلا من الناس فبئس ما فعلنا وكان يقول إن هم النفقة والأكل